فخر الدين الرازي

80

تفسير الرازي

وحركة السجود عند كونه للجمع حركة متغيرة من حيث إن الجمع يشتق من الواحد ، وينبغي أن يلحق المشتق تغيير في حركة أو حرف أو في مجموعهما ، فساجد لما أردنا أن يشتق منه لفظ جمع غيرناه ، وجئنا بلفظ السجود ، فإذاً السجود للمصدر والجمع ليس من قبيل الألفاظ المشتركة التي وضعت بحركة واحدة لمعنيين ، إذا عرفت هذا فنقول الفلك عند كونه واحداً مثل قفل وبرد ، وعند كونها جمعاً مثل خشب ومرد وغيرهما ، فإن قلت فإذا جعلته جمعاً ماذا يكون واحدها ؟ نقول جاز أن يكون واحدها فلكة أو غيرها مما لم يستعمل كواحد النساء حيث لم يستعمل ، وكذا القول في : * ( إمام مبين ) * ( يس : 12 ) وفي قوله : * ( ندعوا كل أناس بإمامهم ) * ( الإسراء : 71 ) أي بأئمتهم عند قوله تعالى : * ( إمام مبين ) * إما كزمام وكتاب وعند قوله تعالى : * ( كل أناس بإمامهم ) * إمام كسهام وكرام وجعاب وهذا من دقيق التصريف وأما المعنوية : فنذكرها في مسائل : المسألة الأولى : قال ههنا : * ( حملنا ذريتهم ) * من عليهم بحمل ذريتهم ، وقال تعالى : * ( إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ) * ( الحاقة : 11 ) من هناك عليهم بحمل أنفسهم ، نقول لأن من ينفع المتعلق بالغير يكون قد نفع ذلك الغير ، ومن يدفع الضرر على المتعلق بالغير لا يكون قد دفع الضرر عن ذلك الغير ، بل يكون قد نفعه مثاله من أحسن إلى ولد إنسان وفرحه فرح بفرحه أبوه ، وإذا دفع واحد الألم عن ولد إنسان يكون قد فرح أباه ولا يكون في الحقيقة قد أزال الألم عن أبيه ، عند طغيان الماء كان الضرر يلحقهم فقال دفعت عنكم الضرر ، ولو قال دفعت عن أولادكم الضرر لما حصل بيان دفع الضرر عنهم ، وههنا أراد بيان المنافع فقال : * ( حملنا ذريتهم ) * لأن النفع حاصل بنفع الذرية ويدلك على هذا أن ههنا قال : * ( في الفلك المشحون ) * فإن امتلاء الفلك من الأموال يحصل بذكره بيان المنفعة ، وأما دفع المضرة فلا ، لأن الفلك كلما كان أثقل كان الخلاص به أبطأ وهنالك السلامة ، فاختار هنالك ما يدل على الخلاص من الضرر وهو الجري ، وههنا ما يدل على كمال المنفعة وهو الشحن ، فإن قيل قال تعالى : * ( وحملناهم في البر والبحر ) * ( الإسراء : 70 ) ولم يقل : وحملنا ذريتهم مع أن المقصود في الموضعين بيان النعمة ، لا دفع النقمة ، نقول لما قال : * ( في البر والبحر ) * عم الخلق ، لأن ما من أحد إلا وحمل في البر أو البحر ، وأما الحمل في البحر فلم يعلم ، فقال إن كنا ما حملناكم بأنفسكم فقد حملنا من يهمكم أمره من الأولاد والأقارب والإخوان والأصدقاء . المسألة الثانية : قوله : * ( المشحون ) * يفيد فائدة أخرى غير ما ذكرنا وهي أن الآدمي يرسب في الماء ويغرق ، فحمله في الفلك واقع بقدرته ، لكن من الطبيعيين من يقول الخفيف لا يرسب في الماء ، لأن الخفيف يطلب جهة فوق فقال : * ( الفلك المشحون ) * أثقل من الثقال التي ترسب ، ومع هذا حمل الله الإنسان فيه مع ثقله ، فإن قالوا ذلك لامتناع الخلاء نقول قد ذكرنا الدلائل الدالة على جواز الخلاء في الكتب العقلية ، فإذن ليس حفظ الثقيل فوق الماء إلا بإرادة الله .